محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
132
الآداب الشرعية والمنح المرعية
الله بعبد خيرا عجل له العقوبة في الدنيا ، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه حتى يوافي ربه يوم القيامة " رواهما الترمذي ، وقال حسن غريب ، وروى ابن ماجة الأول وروى أحمد الثاني من حديث عبد الله بن مغفل - وعلم أن آخر أمره الصبر وهو مثاب ، وفي الصحيحين من حديث أنس " 1 " " إنما الصبر عند الصدمة الأولى " وقال الأشعث بن قيس : إنك إن صبرت إيمانا واحتسابا وإلا سلوت البهائم ، - وعلم أن الذي ابتلاه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين ليمتحن صبره ويسمع تضرعه ، ويخوفه قال الله تعالى : وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ [ سورة المؤمنون : الآية 76 ] . وقال تعالى : وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ سورة الزخرف : الآية 48 ] . قال الشيخ محمد بن عبد القادر " 2 " يا بني المصيبة ما جاءت لتهلك ، وإنما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك ، يا بني القدر سبع ، والسبع لا يأكل الميتة فالمصيبة كير العبد ، فإما أن يخرج ذهبا أو خبثا كما قيل : سبكناه ونحسبه لجينا * فأبدى الكبر عن خبث الحديد اللجين الفضة جاء مصغرا مثل الثريا وكميت - وعلم أنه لولا المصائب لبطر العبد وبغى وطغى فيحميه بها من ذلك ويطهره مما فيه ، فسبحان من يرحم ببلائه ، ويبتلى بنعمائه كما قيل : قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت * ويبتلي الله بعض القوم بالنعم واعلم أن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة والعكس بالعكس ، ولهذا قال عليه السلام " 3 " : " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " وقال " 4 " : " حفت الجنة بالمكارة وحفت النار بالشهوات " ومعلوم أن العاقل من احتمل مرارة ساعة لحلاوة الأبد ، وذل ساعة لعز الأبد ، هذا من لطف الله به حتى نظر في العواقب والغايات ، والناس إلا من عصم الله آثروا العاجل لمشاهدته وضعف الإيمان - وعلم أنه يحب ربه وإن المحب وإنه إن أسخطه فهو كاذب في محبته ولهذا كان عمران بن حصين رضي الله عنه يقول في مرضه : أحبه إلي أحبه إليه ، وكذا أبو العالية وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به - وعلم أن مراتب الكمال منوطة بالصبر والعكس بالعكس وأقل الأحوال أن لا يتهم ربه في قضائه له كما روى أحمد : حدثنا حسن ثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن علي بن رباح أنه سمع جنادة بن أبي أمية
--> ( 1 ) البخاري ( 1283 ) ومسلم ( 926 ) . ( 2 ) في النسخة المصرية قال الشيخ عبد القادر إلخ وهو إذا أطلق يراد به الجيلاني . ( 3 ) مسلم ( 2956 ) . ( 4 ) مسلم ( 2822 ) .